الشريف الرضي
299
المجازات النبوية
ومنه سمى الغبيط ، وهو مركب من مراكب النساء ، فكأنه عليه الصلاة والسلام شبه لزوم الحمى له بلزوم القتب ظهر الراحلة ، لأنه إذا ألزم ظهرها عقره ، وأكثر دبره ( 1 ) ، ويقال : قتب معقر ( 2 ) : إذا عض الغارب ، وأدمى المناكب ( 3 ) ، فكذلك الحمى إذا دام لبثها على الانسان هاضت ( 4 ) متنه ، وحسرت قوته ( 5 ) . 226 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " خير الناس في آخر الزمان النومة " ( 6 ) وهذا مجاز ، والمراد بالنومة هاهنا : الرجل الخامل الشأن الخفي المكان ، لا الكثير النوم على الحقيقة . ومثله الحديث الآخر : " رب ذي طمرين لا نومة له لو أقسم على الله لابر قسمه " ( 7 ) . لان الخاشع العابد ، والمنقطع الزاهد ، كثيرا
--> ( 1 ) عقره : جرحه ، والدبر : أثر الجراح . ( 2 ) معقر : جارح . ( 3 ) عض الغارب : الغارب هو ما بين السنام إلى العنق ، وعضه التأثير فيه تأثيرا شديدا ، والمناكب : جمع منكب وهو الكتف ، وإدماؤها جرحها حتى تدمى . ( 4 ) هاضت : أضعفت ، والمتن : الظهر ، والمراد به هنا الجسم كله أو قوته ( 5 ) حسرت قوته ، قللتها . ما في الحديث من البلاغة : في الحديث استعارة تبعية ، حيث شبه دوام الحمى بإغباط الرحل على ظهر البعير بجامع التأثير الشديد وإحداث الضرر ، واشتق من الاغباط بمعنى الإدامة ، أغبطت بمعنى دامت . ( 6 ) النومة : النائم أو كثير النوم . ( 7 ) الطمر : الثوب البالي ، والنومة : المرة من النوم ، والمراد أنه فقير لا يجد مكانا ينام فيه نومة واحدة ، وقد فسرت النومة في الطبعة السابقة بخمول الذكر ، وهذا التفسير لا يطابق معنى الحديث ، لان المعنى عليه يكون هكذا . " رب ذي طمرين لا خمول ذكر له لو أقسم على الله لابر قسمه " فنفى خمول الذكر لا يناسب المعنى الذي ورد فيه الحديث ، والمناسب ما ذكرناه . وقد ورد في اللغة " ماله نيمة ليلة " أي ماله موضع مبيت ليلة ، ومعنى لو أقسم على الله لابر قسمه : أي لو دعا الله ملحا في الدعاء لاجابه إلى ما يطلب .